مختارات من الشعر العالمى
لاجمل ما سطر من اشعار

الشاعر بول فاليرى

بول فاليري( 1871 ـ 1945م)
Paul Valéry
أحد زعماء المدرسة الرمزية في الشعر الفرنسي الذي تألق قبل الحرب العالمية الأولى، واستمر ينشر الدواوين الشعرية: سهرة مع السيدة تيست ـ أبيات قديمة ـ بارك الشابة ـ سحر ـ اوبالينوس ـ روح الرقص ـ المقبرة البحرية ـ فاوست ـ نرجس.

والرمزية مدرسة ازدهرت في أواخر القرن التاسع عشر، وقد قامت لتناهض مذهب البرناسية الذي يرفض التعبير عن المشاعر الفردية، وقد دعا بول فاليري مع مجموعة من الشعراء وهم استيفان مالارميه، وبول فيرلين، وأرتور رامبو، وجان مورياس إلى قصيدة جديدة تعبر عن العالم الخارجي للشاعر وتطلق مافي النفس من رغبات ومافي الذهن من أحلام ومافي القلب من أحاسيس.

وقد تأثر بول فاليري بالشاعر مالارميه إلا أنه حاول دائماً أن ينتقي العبارات، ويطرح الدلالات الخاصة، وأن يتوغل في متاهات النفس، وينثر أفكاراً مجردة..

وقد أصدر فاليري مقطوعات شعرية تحت عنوان «نرجس» وهذه المقطوعات تحمل الاسطورة اليونانية عن نرجس الشاب الرائع الجميل الذي يعشق وجهه عندما يراه في النبع الصافي.

ويرى فاليري أن الإنسان في داخله نوع من الجمال والإحساس المبهم الخفي الذي لايفسر أحياناً وقد يرفض أسلوب هذا العالم الذي يحاصره، وينفذ إلى أعماق ذاته، يعشقها حتى الإعجاب والهوس.

وبول فاليري يجسد الأشياء المجردة ويحولها إلى طاقات حسية يمكنك أن تلمسها أو تراها وتتخيلها من دون عناء
 
 
ربيع
رقيقة، الفتاة ذات الشعر الأحمر،
أي مقدار من البراءة يبهج،
تقول للصبية الشقراء
هذه الكلمات همساً بصوت عذب:
.
(( النسغ الذي يصعد و الزهر الذي يتبرعم
طفولتك خميلة:
دعي اصابعي تهيم في الزبد
حيث يبرق زر الوردة،
.
(( دعيني، بين العشب الناصع
أرتشف قطرات الندى
من الزهر المروي، ...
.
(( بعد أن تكون المتعة، يا حبيبتي،
أضاءت جبينك البريء،
كما الفجرٍ الأزرق الخَجِل. ))
*
*********************************************
مختارات
(1)
... لآلاف المرات تذكرت أني شعرت بالوحدة وتمنيت بغضب نهاية الأزمان السيئة أو نهاية الفكر.
ربما لن يترك وراءه سوى ركام ناقص من المقاطع المختصرة، من الآلام المحطمة فوق هذا العالم، من السنوات المعيوشة في دقيقة، من الأبنية غير المكتملة والمجمدة، من العناء الكبير المأسور في نظرة، من الأموات.
لكن ثمة وردة لكل هذا الخراب.
(1894)
(2)
كان ينام نومة مليئة بمزيج فاتر
بمزاج متقلب، منساب
بألوان رخوة
مستمعا كما في باطن الأرض
إلى الصوت المبتعد، مخطط
الدماء المستمر المنسابة
مستمعا مثل جدار.
(1898)
(3)
البحر، بالنسبة إليّ، إحساس خياشيم ورئات، فضاء، انتصاب أمواج، شراب هوائي، عظمة، رائحة كبيرة وشائكة، شجرة معطرة وكبيرة، مشبعة بالهواء.
إنه هواء شائك.
(1898 1899)
(4)
ومن ثم... تجيء لحظة، تتأرجح فيها، ما كان أكثر يقينا حتى أسس الكائن نفسها تختلج مثل
مثل زينة لوحات سترتفع
مثل شراع يتنشق الهواء ويتحرك حول مرساته
ومن ثم المعرفة التي أصبحت مترنحة وبخور الخيلاء.
لتحللوا ذلك.
(1898 1899)
(5)
الزمن بأسره ليس سوى خطأ في الكتلة الأبدية، كما أن الكون ليس سوى فقاعة في طهارة الفضاء الشامل.
ليس الكون سوى عصفور في هذا الامتداد.
(1902)
(6)
الكون ليس سوى حركة مطوقة وداخل هذه الحركة النجوم كلها.
(19031902)
(7)
لتنظر إلى ظل البحر / إلى الماء/ التي يعذبها البحر
والذي يسحب الجبال فوق شكله النائم
تسيل الجبال دائما
داخل ظلها.
(19051904)
(8)
في الصباح، أقدم التضحيات الساذجة. للشمس، أقدم أحلام الليل. على حجر الواقع أبددها. وضوح الأجساد، قسوة ظلالها، اكتمال النظرة.
أحرق أعدائي وسأمي. أبجل الأفكار الجميلة؛ أسلخ /أغسل/ روحي من الهفوات؛ أحاكم نهار البارحة، أطالب بالقوة لأقوم بأشياء مفيدة.
(1910)
(9)
يختبئ في نوره، أنغلق في كرة من الاشراقات.
لا أعرف شيئا بعيدا عن كل ما هو واضح. تحددني هذه الشفافية وكل نظرة تصبح حجابا.
كل ما يرى حتى الخط المتوازي اللانهائي.
(1912)
(10)
سماء
أنا المكان الهندسي، النقطة
المجهولة بالطبع من كل هذه الكواكب
الجاهلة بالتأكيد. أنا وهي.
دهشة كبيرة من النجوم المتفرقة!
انفجار ثابت، وقد يتطلب التأمل ألف مليار من العصور، انفجار حقيقي، ونتائج.
كل هذا ينظر إليّ، ولا يعنيني، ينظر إليّ ولا يراني.
(1916)
(11)
الموسيقى التي في داخلي.
الموسيقى التي في الصمت، القوية،
لتأتي وتدهشني.
(1916)
(12)
كانت "إيسمين" تبدو وكأنها تعيش بمذاقها الخاص وعبر ما كان يحلو لها. وجهها وجسدها يتراءان كأنهما من خيارها ويبدو أنها اختارتهما وشكلتهما وفق قانونها الخاص، صنعتهما وأبدعتهما بنفسها.
أولتهما هذه الأهمية المعتدلة التي نوليها للأشياء الغالية الثمن، لكن التي لا تشكل مصدرنا الوحيد، والتي نستطيع أن نبادلها بشيء آخر.
(1918)
(13)
مضطجع، محطم من التعب، باحثا عن النعاس الذي كان يبحث عني أيضا. لكننا لم نجد بعضنا البعض. بيننا، بروق تتوه وتمنع الظلمات من أن تلتقي لنكون ليلا واحدا.
(1921)
(14)
لكل إنسان، غيمة تبدأ ببخار شفاف، تتكثف بسرعة أمام مرأى مستقبله.
هذه الغيمة مشتركة بين الجميع. إنها مثل كل الغيمات التي لها لون الساعة نفسها.
(1922)
(15)
روحي كنصل عار في الظلمات.
يطعن الصديق والعدو.
يقتلني كما الآخرين. ما كنته وما أستطيع أن أكونه، ضحية حد المعرفة التي من غير اعتبار.
لا تعرف حقيقتي أحدا. لا شيء مرئي. يثب السيف ويكلأ. أعمى هو البرق. لن توقف هذا..
(1923)
_________________
"قصائد ضائعة" هو عنوان الكتاب الصادر حديثا عن منشورات غاليمار ضمن سلسلتها الشهيرة "شعر"
فكرة هذا الكتاب للباحث ميشال جاريتي، الذي نقب في عشرات الأجزاء من "دفاتر" فاليري التي بدأ كتابتها ونشرها العام 1894 واستمر فيها حتى وفاته في تموز من العام 1945، عما أسماه "قصيدة النثر" عند هذا الشاعر.
حين بدأ فاليري كتابة هذه الدفاتر، لم يكن طموحه أن يجعل منها مكانا للشعر، بل على العكس من ذلك، مساحة للتأملات المجردة التي تطورت وتعددت لتقع في النهاية في ما يزيد عن 3000 صفحة.
*********************************************************
الخمرة الضائعة
رميت، ذات يومٍ، في المحيط
( لكن عدت لا أذكر تحت أية سموات )
رميت كتقدمة للعدم
قليلا من الخمرة الثمينة
.
من أراد ضياعك أيها المشروب؟
ربما انصعت للكاهن؟
ربما لهموم قلبي،
حالما بالدم وأنا أسكب الخمرة ؟
.
شفافيتها المعهودة
بعد وردة مدخّنة
تعيد إلى البحر نقاءه
ضياع الخمرة، شكر الأمواج!
ورأيت في الهواء المر
أعمقَ الصور تطفر.
*
ترجمة : بول شاوول
**********************************************************
.. العظيمُ العنقود يأتلقُ الآنَ لشوقي نحوَ امتصاص البلاء .
يا نجوماً غريبةً ذات حول لا يُجارى و لا مفرَّ لرائي ،
أنا لا أدري أيَّ صفو رحيب ، أيَّ شيءٍ محجّبٍ علويِّ
ترتضينَ انبلاجهُ يتهادى في البعيد المدلَّل الزمنيّ ،
أنت يامن تغرِّقين بعنفٍ في مطاوي الأنام حتى الدّموع ،
هذهِ الدَّفقة الدّريرة من نور تسامى ، ومن سلاح منيع ،
و انطلاقاتك القصيّة تعدو في فجاج من عمرك الأبدي ،
معكِ إنّي وحيدةٌ ، أتداعى ، قد تخليّتُ عن سريري الطري ..
.
.. عند طيفِ المسخ الذي يتلوّى دونَ أعتاب مدخل يتوقّد ،
أيهذا الزَّخّافُ مهما تراءَيت سريعاً على جموحك تُعقدُ ،
يا التواءً طواله تتوالى هدهداتُ الملامسات النواعم ،
و نفاذاً للصبر يدنو و يدنو ، و ارتخاءً ، يا ثقلَ ما فيه ، جاثمٌ ،
أنتَ ، ما أنتَ بالقياس إلى ليل طواني في سرمديّ مداهُ ؟
كيف ترنو الى جميلَ ارتخائي نائماً غافلاً تداعت قواه ..
غيرَ أنّي على اتفاقٍ وثيقٍ مع ما فيّ من مخاطرَ تزخر ،
أنا ، يا صولجانُ باخُسَ ، منها ، في الخيانات والتقلّب أمهَرْ .
أهربي منّي ! تابعي من جديد دابق الخيط من سوادِ الرُّجوع !
إذهبي في طلابِ من هدّهُ النومُ لرقص الأرداف منكِ الوضيع ،
جرِّري جرِّري فساتينك الحرّى تباعاً الى سرير سوايا ،
أحضُني أنتِ فوقَ أفئدةٍ أخرى جراثيم ضيمها في العشايا
وعلى لفُّ حُلمك الحيوانيّّ ليلهثُ للصّبح همُّ النّقاء !
.
أيّها الذِّكرُ ، يا وقوداً هواهُ ، عسجدياً يهبُّ ملء جبيني ،
أنفخ الأرجوانَ فوق قناعي ، لوّن الرفض أيّما تلوين
أن أكونَ الأنا ، و قد أشعلتُ ذاتي ، خلافاً لما مضى من حياتي .
إقترب يادمي ، هلمَّ ولوّن من قديمي ألوانه الشاحبات ،
إنّما الّلازورد كان عليه يغدقُ النُّبل من بعادٍ مهيبٍ ،
يا دمي ، و اصبغ السّواسن من عهدٍ تقضّى ، .
أدنُ و أمسح هذا العطاء المعفّى فوق جسمي . هلمَّ كيما أُفاجىءْ
من جديد و أبغضُ الطفلةَ الخفراء ، هذي ، وذا السّكون المواطىءْ ،
و الكديرَ الشّفّاف يغطسُ في الغابِ و يطفو .. و في جليديِّ صدري
فليعاودوا نداءَهُ ذلك الصّوت مرنّاً ، فما أنا كنتُ أدري فيه بُحَّا
و قد تغلّفَ بالحبِّ خفيتاً ، مثل الحفيف المُهادي ..
إنّما الأغيَدُ المدلّلُ جيدٌ في طِلاب المجنّح الصيّاد .
.
* أصغِ .. لاتُكثر التّمهُّل من بعدُ .. فإنّ العامِ الجديدَ الطالعْ
لدمي كلِّه تنبّأ بالرّعشاتِ تترى ، محجوبةً ببراقع :
الجليدُ الممتدُّ يتركُ بالرُّغم خريد الماساتِ منهُ الأخيرة ..
وغداً ، يفدُ الطالعُ الرّبيع فيفجو محكمات الأقفال فوق النُّبوع :
الربيعُ المُهيب يضحكُ ، يفتضّ البكارات .. طلسماً في الطلوع .
غير أنّ النّقاء يرشحُ قطراً في كلامٍ مرفّه الدّلّ غاوي ،
فيروحُ الحنانُ يمتلكُ الأرضَ ، حنانٌ في مهجةِ الأرضِ ثاوي ..
مائساتُ الأشجار نفّخها الريُّ جديداً و غلّفتها البراعم ،
مثقلاتٍ برفِّ أجنحها الألفِ ، وآفاقها الرّحاب النّواعم ،
راحت الآنُ فوقُ ، في مفرق الشّمس ، تذرّي شعورها المرعِدات ،
و تحثّ التّصعيد في حسرةِ الجوِّ بآلاف أجنح مورقات
تتندّى رِيّاً وتزهو اخضراراً ، فتُحسُّ الفروع منها جديدة ..
___________
"البارك الشّابة " بول فاليري 1917م - ترجمة رَوّاد طَربيْه 1994 م
* مقتطفات من هذا المقطع .
*********************************************************
أعزائى القراء القصيدة الاولى ترجمة الاستاذ المهند حيدر اما الثانية فترجمة الاستاذ اسكندر حبش
 
 
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية